أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
117
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بنفسك ثم بمن تعول » « 1 » . قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا : الكلام فيه كالكلام في الموصول قبله ، وقرأ حفص عن عاصم : « فَيُوَفِّيهِمْ » بياء الغيبة ، والباقون بالنون ، فقراءة حفص على الالتفات من التّكلم إلى الغيبة تفنّنا في الفصاحة . وقراءة الباقين جارية على ما تقدّم من اتّساق النظم ، ولكن جاء هناك بالمتكلّم وحده وهنا بالمتكلّم وحده المعظّم نفسه اعتناء بالمؤمنين ورفعا من شأنهم لمّا كانوا معظّمين عنده . قوله تعالى : ذلِكَ نَتْلُوهُ : يجوز أن يكون « ذلِكَ » مبتدأ و « نَتْلُوهُ » الخبر ، و « من الآيات حال أو خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون « ذلِكَ » منصوبا بفعل مقدر يفسّره ما بعده ، فالمسألة من الاشتغال و « مِنَ الْآياتِ » حال أو خبر مبتدأ مضمر أي : هو من الآيات ، ولكنّ الأحسن الرفع بالابتداء لأنه لا يحوج إلى إضمار ، وعندهم : « زيد ضربته » أحسن من « زيدا ضربته » ، ويجوز أن يكون « ذلِكَ » خبر مبتدأ مضمر ، يعني : الأمر ذلك ، و « نَتْلُوهُ » على هذا حال من اسم الإشارة ، و « مِنَ الْآياتِ » حال من مفعول « نَتْلُوهُ » ويجوز أن يكون « ذلِكَ » موصولا بمعنى الذي ، و « نَتْلُوهُ » صلة وعائد ، وهو مبتدأ خبره الجارّ بعده ، أي : الذي نتلوه عليك كائن من الآيات أي : المعجزات الدالّة على نبوّتك ، جوّز ذلك الزجاج وتبعه الزمخشري ، وهذا مذهب الكوفيين ، وأمّا البصريّون فلا يجيزون أن يكون اسم من أسماء الإشارة موصولا إلا « إذا » خاصة بشروط تقدّم ذكرها ، ويجوز أن يكون « ذلِكَ » مبتدأ ، و « مِنَ الْآياتِ » خبره ، و « نَتْلُوهُ » جملة في موضع نصب على الحال ، ويجوز أن يكون « ذلِكَ » مبتدأ و « مِنَ الْآياتِ » خبره ، و « نَتْلُوهُ » جملة في موضع نصب على الحال ، والعامل معنى اسم الإشارة . و « مِنَ » فيها وجهان : أظهرهما : أنها تبعيضية ؛ لأن المتلوّ عليه عليه السّلام من قصة عيسى بعض معجزاته وبعض القرآن ، وهذا وجه واضح . والثاني أنها لبيان الجنس ، وإليه ذهب ابن عطية وبه بدأ . قال الشيخ « 2 » : « ولا يتأتّى ذلك هنا من جهة المعنى إلا بمجاز ، لأنّ تقدير « مِنَ » البيانية بالموصول ليس بظاهر ، إذ لو قلت : « ذلك نتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم » لاحتجت إلى تأويل ، وهو أن يجعل بعض الآيات والذكر آيات وذكرا وهو مجاز . والحكيم صيغة مبالغة محوّل من فاعل كضريب من ضارب ، ووصف الكتاب بذلك مجازا ، لأن هذه الصفة في الحقيقة لمنزله والمتكلم به فوصف بصفة من هو من سببه وهو الباري تبارك وتعالى ، أو لأنه ناطق بالحكمة أو لأنه أحكم في نظمه ، وجوّزوا أن يكون بمعنى مفعل أي : محكم لقوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ إلّا أنّ فعيلا بمعنى مفعل قليل قد جاءت منه أليفاظ قالوا : عقدت العسل فهو عقيد ومعقد ، واحتبست الفرس في سبيل اللّه فهو حبيس ومحبس . وفي قوله « نَتْلُوهُ » التفات من غيبة إلى تكلّم ، لأنه قد تقدّمه اسم ظاهر ، وهو قوله : « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » كذا قال الشيخ « 3 » ، وفيه نظر ، إذ يحتمل أن يكون « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » جيء بها اعتراضا بين أبعاض هذه القصة .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم بمعناه 2 / 693 ، كتاب الزكاة ( 41 - 997 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 476 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 476 .